ابن عجيبة

389

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَقالُوا ؛ منكرين للبعث : أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ ، أي : صرنا ترابا ، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض ، لا نتميز منه ، كما يضل الماء في اللبن . أو : غبنا في الأرض بالدفن فيها ، يقال : ضلل ؛ كضرب ، وضلل ؛ كفرح . وانتصب الظرف في ( أإذا ) بقوله : أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ . أي : أنبعث ، ونجدد ، إذا ضللنا في الأرض ؟ . والقائل لهذه المقالة أبىّ بن خلف ، وأسند إليهم ؛ لرضاهم بذلك ، بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ؛ جاحدون . لمّا ذكر كفرهم بالبعث ؛ أضرب عنه إلى ما هو أبلغ ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة ، لا بالبعث وحده . وقال المحشى : أي : ليس لهم جحود قدرته تعالى على الإعادة ؛ لأنهم يعترفون بقدرته ، ولكنهم اعتقدوا ألّا حساب عليهم ، وأنهم لا يلقون اللّه تعالى ، ولا يصيرون إلى جزائه . ه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل ما أظهر الحق تعالى : من تجلياته الكونية ؛ فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها ، كما قال صاحب العينية : وكلّ قبيح ، إن نسبت لحسنه * أتتك معاني الحسن فيه تسارع يكمّل نقصان القبيح جماله * فما ثمّ نقصان ، ولا ثمّ باشع « 1 » وأكملها وأعظمها : خلقة الإنسان ، الذي خلق على صورة الرحمن ، حيث جعل فيه أوصافه ؛ من قدرة ، وإرادة ، وعلم ، وحياة ، وسمع ، وبصر ، وكلام ، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس ، وسخّر له جميع الكائنات ، وهيأه لحمل الأمانة ، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن . وأما الكافر فهو في أسفل سافلين . قال الورتجبي : ذكر حسن الأشياء ، ولم يذكر هنا حسن الإنسان ؛ غيرة ، لأنه موضع محبته ، واختياره الأزلي ، كقول القائل : وكم أبصرت من حسن ، ولكن * عليك ، من الورى ، وقع اختياري قال الواسطي : الجسم يستحسن المستحسنات ، والروح واحدية فردانية ، لا تستحسن شيئا . وقال ابن عطاء في قوله : ثُمَّ سَوَّاهُ . . . : قوّمه بفنون الآداب ، ونفخ فيه من روحه الخاص ، الذي ، به ، فضّله على سائر الأرواح ، لما كان له عنده من محل التمكين ، وما كان فيه من تدبير الخلافة ، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي - : أخص الخصائص هو ما سقط من حسن تجلّى ذاته في صورته ، كما ذكر بقوله : وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ . ه . ثم ذكر أمر اللقاء الذي أنكروه ، فقال : [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 11 إلى 15 ] قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 ) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 )

--> ( 1 ) انظر النادرات العينية ( 76 - 77 ) .